مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
16
شرح فصوص الحكم
الحاصلة في قلوبكم إجمالا ما تشتمل عليه تلك الأصول من الفروعات ثم أمر إلى درجة حق اليقين بقوله : « واجمعوا » ثم اجمعوا في الإدراك بين الإجمال والتفصيل بحيث لا يحجب إدراك أحدهما عن إدراك الآخر ، وإذا أدركتم بهذا المقام وتحققتم به فقد حصلتم المساواة بيني وبينكم في رتبة الإحاطة وأخذتم الكتاب مني كما أخذت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفيه بشارة عظيمة للطالبين اللهم ارزقنا فإذا حصل المساواة فقد وجب عليكم الإفاضة للطالبين فإذا أفضتم فقد حصلتم المساواة في الإبراز وهو معنى قوله : « ثم منوا به » أمر بالتعليم أي بتعليمكم خالصا مخلصا عن الأغراض النفسية يعني ألقوا معاني الكتاب وأسراره « على طالبيه » كما ألقى اللّه عليكم بمنه ورحمته والمراد بالطالب كل مؤمن يصدّق الكتاب ويشتغل بقراءته من أهله طلبا للاطلاع بحقائقه وأسراره سواء استحق بالفعل أو لم يستحق « ولا تمنعوا هذه الرحمة التي وسعتكم » بقولكم لغير المستحقين أي للطالبين الغير المستحقين اذهب واكتسب الاستحقاق بالرياضات ثم اطلب أو للمستحقين أنتم قد وصلتم درجة الحقيقة والكشف فما حاجة لكم به ، فإذا يخاف عليكم استحقاق الذم ( فوسعوا ) فإذا وسعتم فقد أرشدتم الطالبين الناقصين إلى درجة الكمال ببركة تعليم الكتاب وتعلمه وأفدتم الكاملين الفائدة الجديدة التي لم تحصل لهم بدون هذا الكتاب فحينئذ استحققتم المدح بالشرع المطهر المحمديّ ( ومن اللّه أرجو ) لا من غيره ( أن أكون ممن أيد ) أي ممن أيده اللّه بالتأييد الاعتصامي وهو تجليه له بالربوبية وظهوره بكمال المالكية ( فتأيد ) قبوله هذا التجلي وظهوره بكمال العبودية وهو مقام عبوديته ( وأيد ) آخرين بحسب استعداداتهم بمثل ما أيد به وهو مقام ربوبيته وإرشاده وتكميله الطريقة وهو مقام التجلي الذاتي يسر اللّه لمن يشاء من عباده وقيد وممن رباه اللّه وأدبه ( بالشرع المحمديّ المطهر وتقيد ) انقياده وإطاعته الشرع وقيد آخرين بمثل ما قيد به وهو تكميل الشريعة فأخبر عنه نفسه رضي اللّه عنه بلسان الأدب بأنه مكمل الشريعة والطريقة ترغيبا وإرشادا للطالبين إلى هذا المقام وإشارة إلى أن من أيد بهذا الكتاب فتأيد وأيد نال درجة الحقيقة وتحقق بتكميل الشريعة والطريقة وفي تأخير الشريعة إشارة إلى أن تكميلها لا يكون إلا بعد تكميل الطريقة وإن كانت الطريقة لا تحصل إلا بها فمن ادّعى الحصول بدون الشريعة فقد كذب فحقيقتهما حقيقة واحدة وهي الأمر الإلهي الذي روحه الطريقة وبدونه الشريعة مثل حقيقة الإنسان روحا وبدنا ( وحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته ) ظاهر لما فرغ من ذكر ما وجب تقديمه شرع إلى إبراز الكتاب من الوجود المثالي وإن شئت قلت من الوجود الذهني على ما رآه إلى الشهادة مع بيان أن الترتيب المخصوص والعدد المعين ليس برأيه ليتأكد أنه ليس بمصنف في هذا الكتاب بل مترجم من اللسان المثالي إلى اللسان الشهادي قال : ( فأوّل ما ألقاه المالك ) أي مالك يوم إبراز الكتاب إذ ما تجلى اللّه للشيخ بالتجلي الذاتي القهاري إلا في يوم الإبراز كقوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : 3 ] ( على العبد ) أي على